قصّ الوزن في الـMMA: خطر مستمر… وحلول غائبة
رغم التطور الكبير الذي شهدته رياضة فنون القتال المختلطة على مستوى التنظيم، التحكيم، والطب الرياضي، ما زال قصّ الوزن (Weight Cutting) واحدًا من أخطر الملفات المفتوحة في هذه الرياضة، ملفّ يُمارَس كأنه “أمر طبيعي”، بينما تشير الوقائع العلمية والإنسانية إلى أنه خطر حقيقي قد يدمّر مسيرة المقاتل أو يهدد حياته.
قصّ الوزن، في جوهره، ليس عملية خسارة دهون صحية، بل تجفيف قاسٍ للجسم خلال فترة قصيرة، يهدف فقط للوصول إلى رقم محدد على الميزان، ثم استعادة السوائل خلال 24 ساعة قبل النزال. هذه الممارسة أصبحت جزءًا من ثقافة الرياضة، لا لأن الجميع مقتنع بها، بل لأن الجميع يشعر أنه مُجبَر عليها.
المشكلة الحقيقية: ثقافة “الكل يفعل ذلك”
أكبر خطورة في قصّ الوزن ليست في الساونا أو بدلات التعرّق بحد ذاتها، بل في العقلية التي تحكم هذه العملية.
المقاتل يعلم أن خصمه سيقص وزنًا كبيرًا، وبالتالي يرى أن القتال في وزنه الطبيعي يعني الدخول إلى القفص وهو أصغر حجمًا وأضعف بدنيًا. وهكذا يدخل الجميع في دائرة مغلقة من المخاطرة:
“إما أن أقص وزنًا… أو أُقاتَل ضد شخص أكبر مني بكثير.”
هذه الثقافة خلقت ما يُعرف بظاهرة Weight Bullies، حيث يصبح التفوق الجسدي نتاجًا للتجفيف القاسي لا للمهارة فقط، وهو ما يتعارض مع جوهر العدالة الرياضية التي وُجدت الفئات الوزنية من أجلها أساسًا.
الآثار الصحية: الخطر الصامت
الدراسات الطبية تؤكد أن الجفاف الشديد:
- يقلل تدفق الدم إلى الدماغ
- يقلل السائل الدماغي الذي يحمي المخ داخل الجمجمة
- يرفع احتمالية الارتجاجات وإصابات الدماغ
والأخطر أن كثيرًا من المقاتلين يدخلون النزال وهم لا يزالون في حالة جفاف جزئي، ما يجعل أي ضربة للرأس أكثر خطورة.
وعند جمع هذا العامل مع طبيعة رياضة تعتمد على الضربات المباشرة، يصبح قصّ الوزن عاملًا مضاعفًا للمخاطر، لا مجرد تفصيل ثانوي قبل الميزان.
الأثر النفسي: جانب يتم تجاهله
قصّ الوزن لا يؤذي الجسد فقط، بل يترك آثارًا نفسية عميقة:
- اضطرابات أكل مزمنة
- علاقة غير صحية مع الطعام
- قلق حاد قبل الميزان
- شعور دائم بالذنب والخوف من الفشل
العديد من المقاتلين يتنقلون بين فترات تجويع قاسٍ خلال المعسكرات، وفترات إفراط في الأكل بعدها، ما يحوّل الغذاء من عنصر دعم للأداء إلى مصدر صراع نفسي مستمر.
هل توجد حلول واقعية؟ نعم… لكن
بعض المنظمات بدأت فعليًا بخطوات جريئة. تجربة ONE Championship مع اختبارات الترطيب ورفع الأوزان الرسمية أثبتت أن تقليل قصّ الوزن العنيف ممكن دون التأثير سلبًا على جودة النزالات، بل بالعكس، ساهم في تحسين الأداء والسلامة.
لكن الحلول لا يجب أن تكون جزئية، بل شاملة، ومنها:
- زيادة عدد الفئات الوزنية
تقليل الفجوات الكبيرة بين الأوزان (مثل إضافة 165 و195 للرجال، وتوسيع خيارات النساء) سيخفف الحاجة لقصّ الوزن القاسي. - اختبارات ترطيب إلزامية
منع المقاتلين من دخول الميزان وهم في حالة جفاف خطير. - تغيير موعد الميزان
إعادة النظر في فكرة الوزن قبل 24 ساعة، أو تطبيق نماذج وزن أقرب ليوم النزال. - التثقيف الإجباري للمقاتلين والمدربين
عبر برامج طبية معتمدة تشرح المخاطر طويلة المدى، وليس فقط كيفية “النجاح” في قصّ الوزن.
دور الإعلام والجمهور
الإعلام الرياضي يتحمّل مسؤولية كبيرة في هذه القضية.
الاحتفاء بالمقاتل الذي “عانى ليصنع الوزن” دون نقد أو توعية، يرسّخ فكرة أن المعاناة شرط للبطولة.
كما أن الجمهور، من دون قصد، يساهم في استمرار المشكلة عندما يرى قصّ الوزن كدليل التزام أو صلابة، بدل النظر إليه كإشارة خطر.
الخلاصة
قصّ الوزن في الـMMA ليس مشكلة فردية، بل مشكلة منظومة كاملة.
المقاتل لا يجب أن يُجبر على الاختيار بين صحته وفرصته في المنافسة.
والرياضة التي تدّعي الاحتراف لا يمكن أن تقبل بممارسات تهدد حياة أبطالها باسم “الميزة التنافسية”.
التغيير لن يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه يبدأ بخطوة واحدة:
الاعتراف بأن قصّ الوزن، بشكله الحالي، خطر حقيقي… وأن الصمت عنه لم يعد خيارًا.
