إسلام ماخاشيف يهزم غاري.. وداغستان تواصل فرض كلمتها
لم يكن انتصار إسلام ماخاشيف على إيان ماتشادو غاري مجرد دفاع ناجح عن لقب UFC في وزن الويلتر، ولم تكن تلك الليلة مجرد إضافة فوز جديد إلى سجل بطل اعتاد الانتصارات. ما حدث كان محطة تاريخية جديدة في مسيرة مقاتل أصبح من الصعب الحديث عن عظماء فنون القتال المختلطة من دون وضع اسمه بينهم.
إسلام وصل إلى 17 انتصارًا متتاليًا في UFC، متجاوزًا الرقم التاريخي لأندرسون سيلفا، وفعل ذلك بعدما أصبح بطلًا في فئتين وزنيتين ونجح في الدفاع عن اللقب في الوزن الأعلى. والأهم أن الإنجاز لم يأتِ أمام خصم سهل، بل أمام إيان غاري؛ مقاتل أصغر سنًا، أطول، أكبر طبيعيًا، ويتمتع بواحد من أفضل الأساليب الدفاعية في وزن الويلتر.
لكن وسط كل ذلك، كان هناك مشهد آخر يصعب تجاهله.
داغستان في مواجهة إيرلندا مرة أخرى.
والنتيجة، مرة أخرى، أعادت إلى الأذهان قصة قديمة يعرفها جمهور الـMMA جيدًا.
من حبيب وكونر… إلى إسلام وغاري
حين نتحدث عن داغستان وإيرلندا في UFC، من المستحيل ألا تعود الذاكرة إلى ليلة حبيب نورمحمدوف وكونر ماكغريغور.
كانت واحدة من أكبر المواجهات في تاريخ الرياضة، ليس فقط بسبب العداوة والضجيج الإعلامي، وإنما بسبب الصدام بين مدرستين مختلفتين تمامًا.
المدرسة الإيرلندية التي ارتبطت في أذهان الجمهور بالـstriking، الحركة، المسافات والثقة الكبيرة بالنفس.
وفي المقابل المدرسة الداغستانية القائمة على الضغط، المصارعة، التحكم، الصبر وتحويل القفص إلى مساحة تضيق على الخصم تدريجيًا.
حبيب يومها لم يدخل لعبة كونر.
أخذه إلى عالمه.
وبعد سنوات، وجدنا أنفسنا أمام نسخة مختلفة من المواجهة.
إسلام ماخاشيف أمام إيان غاري.
لكن هناك فرقًا مهمًا جدًا:
غاري لم يكن كونر.
وهذا تحديدًا ما يجعل انتصار إسلام مثيرًا للاهتمام.
غاري دخل وهو أكثر استعدادًا للتعامل مع المدرسة الداغستانية، ودفاعه عن المصارعة كان جزءًا أساسيًا من خطته. وحتى عندما نجح إسلام في الوصول إليه، كان غاري قادرًا في كثير من الأحيان على إيقاف تطور الهجمة ومنع إسلام من الانتقال بسهولة من الإسقاط إلى السيطرة ثم الإخضاع.
ولهذا أرى أن خطورة هذا النزال كانت أكبر مما توحي به النتيجة.
غاري جعل إسلام يبدو بشريًا
من السهل بعد إعلان النتيجة أن نقول: إسلام فاز وانتهى الموضوع.
لكن من شاهد الجولات الخمس يعرف أن القصة لم تكن بهذه البساطة.
إيان غاري قدّم أداءً ذكيًا جدًا.
استفاد من طوله ومداه، تعامل بصورة جيدة مع عدد من محاولات الإسقاط، واستخدم الركلات للمحافظة على المسافة، والأهم أنه أجبر إسلام على استهلاك طاقة كبيرة للحصول على السيطرة التي اعتاد الحصول عليها بصورة أسهل في وزن الخفيف.
وفي الجولة الثالثة تحديدًا، نجح غاري في قلب بعض اللحظات لصالحه وأخذ الجولة على بطاقات الحكام.
وهنا ظهرت قيمة النزال بالنسبة لي.
لأننا للمرة الأولى تقريبًا أمام سؤال مختلف:
ماذا يفعل إسلام عندما لا يستطيع تنفيذ كل ما يريده؟
والإجابة كانت مرعبة بطريقتها الخاصة:
يفوز أيضًا.
هذه ربما أكبر ميزة في إسلام ماخاشيف.
ليس أنه أفضل مصارع فقط.
وليس أنه قادر على إخضاعك فقط.
بل أنه يملك حلولًا كثيرة لدرجة أنك تستطيع إيقاف الخطة الأولى… ثم تجد نفسك أمام الثانية والثالثة والرابعة.
المصارعة لم تعمل بسهولة؟ إذًا اضرب
في الجولة الثانية جاءت واحدة من أجمل لحظات النزال.
بعد الخروج من الـclinch، أصاب إسلام غاري بركلة رأس وأسقطه.
تخيل المعضلة التي يعيشها خصمه.
أنت تقضي المعسكر كاملًا وأنت تفكر:
كيف سأوقف الـsingle leg؟
كيف سأمنعه من أخذ ظهري؟
كيف سأفك الـbody lock؟
وفجأة…
الرجل نفسه يسقطك بالـstriking.
بعدها عاد إسلام إلى المصارعة، استخدم الرميات والـtrips وانتقل إلى السيطرة الأرضية.
وهنا يظهر الفارق بين إسلام وبين كثير من المقاتلين أصحاب الخلفية المصارعية.
إسلام لم يعد مصارعًا دخل عالم MMA.
إسلام أصبح مقاتل MMA متكاملًا، والمصارعة هي أقوى أسلحته فقط.
حتى التحليل الفني للنزال أشار إلى تنوع الحلول التي استخدمها في الإسقاطات والـtrips والانتقالات، وقدرته على تغيير طريقة الهجوم عندما وجد أمامه دفاعًا قويًا من غاري.
الجولة الخامسة هي التي تشرح من هو إسلام
بالنسبة لي، أهم ما حدث لم يكن ركلة الرأس.
ولم يكن إسقاطًا معينًا.
كان الجولة الخامسة.
وصل النزال إلى لحظة أصبح فيها هامش الخطأ صغيرًا.
غاري أثبت أنه قادر على المنافسة.
إسلام بذل مجهودًا كبيرًا.
والكورنر أراد منه أن يتعامل مع الجولة الأخيرة وكأنه يحتاج إليها.
وهنا خرج البطل.
لم يبحث عن لقطة استعراضية.
لم يدخل في تبادل ضربات غير ضروري.
رجع إلى الشيء الذي يعرف أنه يستطيع فرضه.
إسقاط، انتقال، ضغط، أخذ للظهر ثم body triangle وسيطرة أنهت أي فرصة لغاري لقلب النزال في اللحظات الأخيرة.
وهنا الفرق بين السيطرة والتهور.
أحيانًا الجمهور يريد من البطل أن يبحث عن النهاية بأي ثمن.
لكن البطل العظيم يعرف متى يهاجم، ومتى يخاطر، ومتى يقول لخصمه:
أنت تعرف بالضبط ماذا سأفعل… حاول أن توقفني.
وغاري عرف.
ولم يستطع.
داغستان × إيرلندا.. لماذا تتكرر الصورة؟
المقارنة بين حبيب وكونر من جهة، وإسلام وغاري من جهة أخرى، مغرية جدًا، لكن يجب ألا نبسطها باعتبارها تفوق جنسية على أخرى.
ما نراه هو تفوق مدرسة قتالية محددة في مواجهات بعينها.
حبيب وإسلام نتاج منظومة بنت هويتها حول المصارعة المتسلسلة، الضغط على القفص، التحكم بالخصم، اللياقة، والانضباط التكتيكي.
والخصم لا يواجه محاولة إسقاط واحدة.
يدافع عن الأولى فتأتي الثانية.
يمنع الـdouble leg فيتحول الهجوم إلى single.
يقف فيأتي الـbody lock.
يدافع بيديه فتبدأ الـtrips.
ينهض فتبدأ معركة أخذ الظهر.
أنت لا تدافع عن حركة… أنت تدافع عن منظومة كاملة.
وهذا ما واجهه كونر أمام حبيب، بصورة أكثر عنفًا وحسمًا.
وما واجهه غاري أمام إسلام، بصورة أكثر تكتيكية وتعقيدًا.
واللافت أن الجيل الإيرلندي الجديد جاء بإجابات أفضل.
غاري كان أفضل تجهيزًا لهذا النوع من الصراع، واستطاع إيقاف تقدم إسلام في عدة مواقع، لكنه في النهاية وجد المشكلة نفسها:
يمكنك إبطاء ماكينة داغستان… لكن إيقافها لخمس جولات شيء مختلف تمامًا.
17 انتصارًا.. الآن يجب أن نناقش الـGOAT
وهنا نصل إلى النقطة التي لم يعد ممكنًا الهروب منها.
17 انتصارًا متتاليًا داخل UFC.
رقم أندرسون سيلفا كان واحدًا من تلك الأرقام التي بدت لسنوات وكأنها ستعيش طويلًا.
إسلام كسره.
لكن الرقم وحده ليس القصة.
القصة هي السياق.
بطل وزن خفيف.
ثم الانتقال إلى الويلتر.
الفوز باللقب.
ثم الدفاع عنه أمام المنافس الأول، وهو مقاتل طبيعي في هذه الفئة، أصغر سنًا ويتمتع بطول ومدى ودفاع ممتاز.
إسلام لم يبحث عن الطريق الأسهل لصناعة التاريخ.
ولهذا أصبح من المشروع اليوم أن يوضع اسمه بجانب جون جونز، جورج سانت بيير، أندرسون سيلفا، ديميتريوس جونسون وحبيب نورمحمدوف عندما يبدأ نقاش الأعظم.
هل هو الـGOAT الآن؟
هذا سؤال سيختلف عليه الجمهور طويلًا.
لكن السؤال الذي أعتقد أنه انتهى هو:
هل يستحق إسلام أن يكون داخل النقاش؟
نعم.
وبقوة.
انتصار لا يحتاج أن يكون جميلًا ليكون عظيمًا
ربما لن يكون نزال إسلام وغاري أول نزال تضعه عندما تريد أن تقنع شخصًا جديدًا بمتابعة MMA.
لم تكن هناك حرب دموية لخمس جولات.
ولا نهاية أسطورية في الثواني الأخيرة.
لكن بعض الانتصارات لا تُقاس بجمالها.
تُقاس بصعوبتها.
إيان غاري كان خطيرًا.
كان مجهزًا.
امتلك الحجم والطول والدفاع والذكاء التكتيكي.
وفي لحظات معينة جعل أفضل مقاتل في العالم يبدو بشريًا.
لكن بعد 25 دقيقة…
بقي شيء واحد كما هو:
إسلام ماخاشيف هو البطل.
وهذه ربما أكثر جملة تختصر مسيرته.
تستطيع أن تصعب عليه النزال.
تستطيع أن توقف بعض إسقاطاته.
تستطيع أن تأخذ منه جولة.
وربما تستطيع حتى أن تجعله يتعب.
لكن حتى الآن…
لم يجد أحد منذ سنوات الطريقة التي تجعله يخسر.
17 انتصارًا متتاليًا.
رقم تاريخي جديد.
وفصل آخر من تفوق المدرسة الداغستانية في واحدة من أكثر المنافسات التي أحب جمهور الـMMA مشاهدتها.
والسؤال لم يعد فقط: من يستطيع هزيمة إسلام ماخاشيف؟
السؤال أصبح أكبر:
إلى أي مكان في تاريخ هذه الرياضة سيصل قبل أن تتوقف هذه السلسلة؟
