حبيب نورمحمدوف.. كلما مرّ الزمن ازدادت عظمة إرثه

هناك أبطال تحتاج إلى العودة لأرشيف نزالاتهم حتى تتذكر مدى قوتهم، وهناك أبطال يفعل الزمن معهم العكس تمامًا؛ كلما ابتعدنا عن حقبتهم، ازدادت قيمة ما حققوه. وحبيب نورمحمدوف ينتمي بلا شك إلى الفئة الثانية.

اعتزل حبيب بسجل مثالي 29-0، وهو بطل الوزن الخفيف في UFC، لكن الرقم وحده لا يشرح حقيقة مستواه. لفهم حبيب فعلًا، علينا النظر إلى الرجال الذين وقفوا أمامه، وماذا كانوا يمثلون وقتها، وماذا فعلوا بعد مواجهته.

عندما يصبح غيثجي دليلًا على عظمة حبيب

جاستن غيثجي مثال واضح.

غيثجي أحد أعنف المقاتلين الذين مروا على الوزن الخفيف، ومقاتل يستطيع تحويل أي مواجهة إلى حرب. شاهدنا ما فعله بتوني فيرغسون، وداستن بورييه، وغيرهما من أبرز الأسماء.

لكن أمام حبيب في UFC 254 شاهدنا شيئًا مختلفًا.

الجميع كان يعرف خطورة ركلات غيثجي وقوة ضرباته وخلفيته في المصارعة. نظريًا، كان يمتلك الأدوات التي قد تسبب مشاكل حقيقية لحبيب.

وبالفعل، نجح في إصابة ساق حبيب بعدد من الركلات القوية.

لكن الغريب أن حبيب لم يتراجع.

بل فعل العكس.

ضغط عليه أكثر.

حبيب جعل واحدًا من أخطر المقاتلين عندما يتقدم للأمام يقاتل وهو يتراجع للخلف. رفع نسق النزال، أجبر غيثجي على الحركة باستمرار، ثم نقله إلى الأرض، وفي الجولة الثانية أنهى المواجهة بالإخضاع.

كلما شاهدنا غيثجي يقدم أداءً كبيرًا أمام مقاتلين من أجيال مختلفة، نعود لذلك النزال ونفهم أكثر حجم ما فعله حبيب.

كونور.. عندما هُزم أخطر سلاح قبل المقاتل

الأمر نفسه ينطبق على كونور ماكغريغور، ولكن بطريقة مختلفة.

كونور لم يكن مجرد بطل. كان ظاهرة غيرت شكل UFC إعلاميًا وتسويقيًا، وكان يمتلك سلاحًا نفسيًا استخدمه ضد عدد من منافسيه قبل أن يبدأ النزال أصلًا.

لكن أمام حبيب، وصل الاستفزاز إلى مستوى غير مسبوق، وتحولت المنافسة إلى واحدة من أكثر العداوات شخصية في تاريخ الرياضة.

ومع ذلك، عندما أُغلق باب القفص، تغيرت المعادلة.

حبيب لم يكتفِ بإسقاط كونور والسيطرة عليه، بل نجح حتى في إسقاطه بيمينية في الوقوف، قبل أن يعيده مرة أخرى إلى عالمه وينهي المواجهة في الجولة الرابعة.

وهنا تظهر إحدى أهم صفات حبيب: قدرته على إجبار خصمه على التفكير في المصارعة حتى عندما لا يصارع.

عندما يصبح المقاتل منشغلًا طوال الوقت باحتمال الإسقاط، تتغير وقفته، وردود أفعاله، وطريقة إطلاق ضرباته. وهذا تحديدًا ما جعل ضربات حبيب أكثر خطورة مما تبدو عليه على الورق.

لم تكن مصارعة فقط

اختزال حبيب في كلمة “مصارع” ظلم كبير لمستواه.

السلاح الحقيقي كان المنظومة كاملة: الضغط، اللياقة، التحكم بالقفص، تثبيت الخصم، الانتقال بين الوضعيات، الضربات الأرضية، والأهم من ذلك كله العقلية.

هناك وصف رائع لأسلوب فريق داغستان من مقاتلين تدربوا معهم: الشعور بأنك تتحرك وتحاول الهروب، لكنك في الحقيقة لا تذهب إلى أي مكان؛ أشبه بالغرق في الرمال المتحركة.

والأكثر إثارة أن هذه العقلية تبدأ من غرفة التدريب.

لا يريدون خسارة الجولة، ولا الدقيقة، ولا حتى الوضعية. إذا سقط المقاتل، هدفه العودة فورًا، وليس تقبل الوضع واللعب من الأسفل.

هذه الثقافة هي التي انتقلت إلى القفص، وهي التي أصبحت لاحقًا ما يمكن أن نسميه «مدرسة حبيب».

من حبيب إلى إسلام.. الإرث أصبح مدرسة

ربما أعظم ما تركه حبيب ليس سجله 29-0.

اليوم نشاهد إسلام ماخاشيف ونرى امتدادًا واضحًا لفلسفة عبدالمناف نورمحمدوف: الانضباط، السيطرة، الضغط، وعدم منح الخصم فرصة للشعور بالراحة.

لكن إسلام أضاف لمساته الخاصة وطوّر أجزاء أخرى من اللعبة، وهذا تحديدًا ما يجعل المقارنة بينه وبين حبيب مثيرة.

إسلام يستطيع أن يتجاوز أرقام حبيب ويحقق إنجازات أكبر على الورق، وهذا لا ينتقص من حبيب، بل ربما يؤكد أن ما بدأه عبدالمناف وحبيب لم يكن أسلوب مقاتل واحد، وإنما مدرسة كاملة.

حبيب أصبح المعيار

لهذا أعتقد أن السؤال عن حبيب اليوم لم يعد: هل كان مقاتلًا عظيمًا؟

هذه حُسمت.

السؤال الحقيقي أصبح: إلى أي درجة كان عظيمًا؟

لأن كلما ظهر بطل جديد في الوزن الخفيف، تبدأ المقارنة.

هل كان يستطيع إيقاف إسقاطات حبيب؟

هل يستطيع تحمل ضغطه؟

ماذا سيحدث لو واجه إسلام؟ ماذا عن توبوريا؟ ماذا عن أفضل نسخة من أوليفيرا أو غيثجي؟

مجرد استمرار هذه الأسئلة بعد سنوات من اعتزاله يخبرك بالكثير.

الأبطال يأتون ويذهبون، والأرقام في النهاية يمكن كسرها.

لكن القليل جدًا من المقاتلين يتحولون إلى معيار نقيس به من يأتي بعدهم.

وحبيب نورمحمدوف أصبح هذا المعيار.

ربما لهذا السبب، كلما مر الزمن، لا يصغر إرث حبيب…

بل يصبح أكبر.

Categories
UFC

Leave a Reply

RELATED BY