عشر سنوات من الجدل.. والقفص يحسم قصة أسامة ومصطفى

هناك نزالات تُصنع بالتصنيفات، وأخرى تُصنع بالأحزمة، لكن بعض المواجهات تحمل قيمتها من القصة نفسها. وهذا بالضبط ما يجعل المواجهة القادمة بين مصطفى راشد وأسامة الصعيدي مختلفة.

بعد قرابة عشر سنوات من آخر فصول المنافسة بينهما، لا يعود الرجلان إلى القفص بالشخصيات نفسها، ولا بالأدوات نفسها، وربما حتى لا يعودان بالنظرة نفسها تجاه بعضهما. اللافت في اللقاءين اللذين أجريناهما معهما أن حدة الماضي تراجعت، لكن الرغبة في إثبات من كان الأفضل ومن أصبح الأفضل اليوم لم تتراجع إطلاقًا.

بل إن المفارقة الأجمل أن كليهما يرى القصة بطريقة مختلفة تمامًا.

حتى نتيجة الماضي.. لا يتفقان عليها!

هذه ربما أكثر نقطة تمنح النزال نكهته الخاصة.

أسامة الصعيدي واضح جدًا في روايته: بالنسبة إليه، المواجهتان السابقتان كانتا انتصارين له، حتى إنه عندما ذُكر أن النزال الأول انتهى بقرار منقسم، رد بأن مشاهدة النزال من جديد ستثبت – من وجهة نظره – أنه كان الفائز، ثم تحدث عن رغبته في تأكيد ذلك بانتصار ثالث.

لكن مصطفى راشد يقدم رواية معاكسة تمامًا.

راشد لا يعتبر سجل المواجهات بينهما 2-0 لأسامة، ويستند تحديدًا إلى ما حدث في اللقاء الثاني، متحدثًا عن ضربة تحت الحزام، وعن اعتراضه بعد النزال، ومؤكدًا أن الحكم اعتذر لاحقًا عن عدم رؤية الضربة من زاويته. ولهذا يرى مصطفى أن الصورة التي يتداولها الجمهور عن المواجهتين ليست الصورة التي يؤمن بها هو.

وهنا تكمن واحدة من أفضل قصص النزال: كل مقاتل يدخل المواجهة الثالثة وهو مقتنع بأن التاريخ يقف إلى جانبه.

ولهذا ربما تكون المواجهة القادمة أهم من مجرد “ثلاثية”. إنها فرصة لإغلاق نقاش ظل مفتوحًا لعشر سنوات.

الخلاف انتهى.. المنافسة لم تنتهِ

رغم اختلافهما الكبير حول الماضي، يتفق الرجلان على أمر مهم: ما حدث بينهما لم يعد خصومة شخصية كما كان يُنظر إليه سابقًا.

أسامة تحدث عن لقائه بمصطفى بعد سنوات من نزالهما، وقال إنه صافحه، وإنه اعتبر القصة القديمة “صفحة وانقفلت”. والأهم أنه عندما تعرض مصطفى لإصابة قوية في يده، بادر أسامة بإرسال رسالة يتمنى له فيها السلامة والعودة بخير.

ومصطفى بدوره تحدث باحترام واضح عن أسامة، ووصفه بأنه خصم قوي وله كامل احترامه، كما أكد أن سنوات الاستفزازات والمشادات أصبحت من الماضي وأن التركيز اليوم على القتال وإظهار المستوى الفني.

وهذه نقطة تحسب للطرفين.

لأن تسويق النزال لا يحتاج إلى صناعة عداوة وهمية. التاريخ الموجود بينهما كافٍ.

كلاهما يقول: أنا لست المقاتل الذي تعرفه

إذا كان هناك شيء مشترك ظهر بقوة في اللقاءين فهو الثقة بأن عشر سنوات غيّرت الكثير.

مصطفى كان أكثر تفصيلًا في هذا الجانب. تحدث عن نزالاته وتجربته خارج المنطقة، وعن مشاركاته في الملاكمة، وقال بوضوح إن مستواه في البوكسينغ تغير، لكنه ركز بصورة أكبر على نقطة ربما تكون مفتاح النزال: المصارعة والجوجيتسو.

هو نفسه يعترف بأن هذين الجانبين كانا من نقاط ضعفه سابقًا، لكنه يقول إن وجود مدربين متخصصين وتدريبه مع مصارعين ولاعبي جوجيتسو أقوياء جعلاه اليوم أكثر تكاملًا، إلى درجة أنه يعلن استعداده للدخول مع أسامة في السترايكينغ أو المصارعة أو الجوجيتسو أو الـGround and Pound.

والرسالة هنا واضحة: لا تحضروا لمشاهدة مصطفى راشد القديم.

لكن أسامة أيضًا لا يريد من خصمه أن يبني خطته على ذكريات الماضي. وفي رسالته التي نقلت إلى مصطفى، كان المعنى واضحًا: هناك “جديد” لن يعجب خصمه.

وجاء رد مصطفى جميلًا لأنه لخص طبيعة المواجهة كلها: هو متحمس لرؤية جديد أسامة، ومتحمس في المقابل لأن يريه جديده. وفي نهاية لقائه كرر المعنى نفسه: “هنوري بعض الجديد”.

السعودية أمام مصر.. ولكن الأهم مدرستان مختلفتان

من أكثر الجوانب إثارة بالنسبة لي في هذه المواجهة أن التحضير لا يعتمد على السفر إلى أحد المعسكرات العالمية المعروفة بقدر ما يعتمد على البيئة التي بناها كل مقاتل حول نفسه.

مصطفى اختار البقاء في جدة والتدرب داخل ناديه ومع فريق يعرفه منذ سنوات. منطقه بسيط: لماذا أذهب إلى الخارج إذا كنت أمتلك شركاء تدريب بمستوى قوي في الملاكمة والكيك بوكسينغ والمصارعة والجوجيتسو؟

وهو يرى أن المعسكر ليس مكانًا مشهورًا بقدر ما هو فريق يفهم المقاتل ويعرف مصادر قوته ونقاط ضعفه.

وهذا يجعل المواجهة مثيرة على مستوى آخر: ليست مجرد مصطفى ضد أسامة، بل اختبار لما استطاع كل طرف بناءه خلال السنوات الماضية.

عامل الوزن قد يصنع مصطفى مختلفًا

هناك تفصيل آخر أعتقد أنه يستحق المتابعة يوم النزال.

مصطفى تحدث بإسهاب عن تجربته السيئة مع التخفيض القاسي والمتكرر للوزن، وتأثير ذلك – بحسب تجربته الشخصية – على طاقته وجسمه وأدائه. والأهم أن المواجهة أمام أسامة ستكون عند 93 كغم، وهو وزن يقول مصطفى إنه يمنحه راحة أكبر مقارنة بالفترات التي كان ينزل فيها إلى 84 كغم.

إذا دخل مصطفى القفص بطاقة أفضل، ومن دون استنزاف تخفيض الوزن الذي اشتكى منه، فقد يكون هذا عاملًا مهمًا جدًا.

لكن في المقابل، الوزن الأعلى يعني أيضًا أن القوة ستكون حاضرة بصورة أكبر، والخطأ الواحد قد تكون كلفته أعلى.

أين يتفقان وأين يختلفان؟

بعد الاستماع إلى اللقاءين، الصورة تبدو واضحة:

  • يتفقان أن العداوة الشخصية القديمة انتهت، وأن الاحترام موجود اليوم.
  • يتفقان أن عشر سنوات غيّرت مستواهما وأن الجمهور لن يشاهد النسختين القديمتين.
  • يتفقان ضمنيًا أن النزال يحمل قيمة أكبر من مواجهة عادية بسبب التاريخ الذي يجمعهما.
  • يختلفان جذريًا في قراءة نتيجة المواجهتين السابقتين؛ أسامة يرى نفسه منتصرًا في الاثنين، بينما مصطفى يرفض هذه الرواية ويعيد فتح ملف النزال الثاني وما حدث فيه.
  • كلاهما يخفي أوراقه الفنية، لكن مصطفى كشف أكثر عن تطوير المصارعة والجوجيتسو والبوكسينغ، بينما رسالة أسامة الأساسية كانت أن لديه جديدًا سيظهر عندما يغلق باب القفص.

والنقطة الأخيرة بالتحديد هي التي تجعلني لا أحبذ تحليل هذا النزال اعتمادًا على المواجهتين القديمتين فقط.

عشر سنوات في الرياضات القتالية عمر كامل.

نزال للماضي.. واختبار للحاضر

الجمهور الذي عاش فترة Desert Force سيشاهد هذه المواجهة بشيء من الحنين، لكن الخطأ سيكون التعامل معها كإعادة لنزال قديم.

مصطفى وأسامة اليوم أكبر سنًا، لكنهما أيضًا أكثر خبرة ونضجًا. كلاهما أصبح يفهم اللعبة بطريقة مختلفة، وكلاهما عاش تجارب لم تكن موجودة عندما تقابلا سابقًا.

لذلك السؤال الحقيقي بالنسبة لي ليس: من كان الأفضل قبل عشر سنوات؟

السؤال هو:

من استطاع أن يستثمر السنوات العشر بصورة أفضل؟

هل سنشاهد مصطفى راشد بنسخة أكثر تكاملًا، قادرًا على إضافة المصارعة والجوجيتسو إلى خطورته في الوقوف؟ أم أن أسامة الصعيدي سيؤكد روايته بأن ما حدث في الماضي لم يكن صدفة، ويغلق الملف بانتصار جديد لا يترك مجالًا للجدل؟

الأجمل أن الرجلين لا يحتاجان اليوم إلى مشادة في الـFace Off ولا إلى عبارات جارحة لبيع النزال.

القصة موجودة.

الماضي موجود.

الخلاف على النتيجة موجود.

والاحترام موجود أيضًا.

بعد عشر سنوات من النقاش، أفضل مكان لحسم كل ذلك لن يكون أمام الميكروفونات… بل داخل القفص.

Categories
PFL

Leave a Reply

RELATED BY