Power Slap 25 في أبوظبي.. تجربة أبهرتني في المدرجات وصدمتني خلف الميكروفون!
بين التنظيم الاحترافي والحضور الجماهيري الكبير، وتجربة مشاهدة لا تشبه الشاشات، تبقى الأسئلة قائمة: هل نحن أمام رياضة حقيقية أم مجرد عرض ترفيهي مثير للجدل؟

ليست كل تجربة إعلامية جديدة بالضرورة تجربة تستحق الإشادة الكاملة، وليست كل فعالية ناجحة جماهيريًا بمنأى عن النقد. وهذا تحديدًا ما خرجت به من حضوري الأول لبطولة Power Slap 25 في صالة Space42 Arena بالعاصمة الإماراتية أبوظبي، في ليلة جمعت بين التنظيم الاحترافي، والجمهور المتحمس، والمشاهد الصادمة، وبعض الملاحظات التي لا يمكن تجاهلها.
دخلت هذه التجربة بعقلية الصحفي الذي يريد اكتشاف حدث جديد، وليس بعقلية المشجع الذي يبحث عن الإثارة فقط. وخرجت منها بانطباع مختلف تمامًا عما كنت أراه عبر التلفزيون ومقاطع يوتيوب.
الاحترافية بدأت قبل الوصول إلى الصالة

منذ اللحظة الأولى لتقديم طلب الاعتماد الإعلامي عبر الموقع الإلكتروني، كان واضحًا أن هناك منظومة منظمة تتعامل مع الصحفي باعتباره جزءًا أساسيًا من نجاح الحدث.
وصلني البريد الإلكتروني بالموافقة على الاعتماد، ثم تعليمات تفصيلية توضح توقيت الحضور، ومكان الدخول، وآلية استلام التصريح والتذاكر، والطريق المؤدي إلى المركز الإعلامي.
وعند الوصول إلى صالة Space42 Arena، استمر هذا المستوى من التنظيم. فقد كان المركز الإعلامي مجهزًا بصورة مميزة، مع توفير الاحتياجات الأساسية التي تساعد الصحفي على متابعة الحدث، وإجراء المقابلات، وإعداد المواد الإعلامية دون انشغال بالتفاصيل اللوجستية.
وهنا أؤكد نقطة أراها مهمة: الاحترافية الإعلامية لا تبدأ عندما يجلس الصحفي أمام المقاتل، بل تبدأ منذ لحظة تقديم طلب الاعتماد، وتنتهي بعد نشر آخر مادة صحفية عن الحدث.
عندما تختلف التجربة الحقيقية عن شاشة التلفزيون
كنت أعتقد أنني أعرف ما يمكن توقعه من Power Slap بعدما شاهدت الكثير من المقاطع المصورة، لكن الحضور المباشر كشف لي جانبًا مختلفًا تمامًا.
فمشاهدة شخص يتلقى صفعة قوية عبر شاشة الهاتف لا تشبه إطلاقًا الجلوس داخل صالة ممتلئة، وسماع صوت الضربة، ومتابعة ردود فعل الجمهور في اللحظة نفسها.
هناك فرق كبير بين أن تشاهد مقطعًا قصيرًا ينتهي خلال ثوانٍ، وبين أن تعيش حالة الترقب التي تسبق الضربة، والصمت الذي يسبق لحظة التنفيذ، ثم الانفجار الجماهيري الذي يليها.
هذا التفاعل يجعل التجربة المباشرة أكثر إثارة بكثير مما تنقله الكاميرات.
واللافت أن جميع التذاكر كانت قد بيعت، والصالة كانت ممتلئة بالجماهير التي تفاعلت مع مختلف المواجهات بحماس كبير.
وخلال اللقاءات التي أجريناها مع عدد من الحاضرين، كان واضحًا أن الجمهور جاء للاستمتاع بالتجربة بكل تفاصيلها، وليس فقط لمشاهدة نتائج المنافسات.
ومن الملاحظات التي استوقفتني الحضور الروسي الكبير، الذي بدا لافتًا بين الجماهير. وأعتقد أن تزامن البطولة مع أسبوع UFC 333، الذي يضم أسماء روسية بارزة في نزالات اللقب، ساهم في تعزيز هذا الحضور.
وهي نقطة تؤكد أهمية إقامة أكثر من فعالية قتالية خلال أسبوع واحد، حيث يتحول الحدث من منافسة منفردة إلى تجربة رياضية وترفيهية متكاملة تجذب جماهير مختلفة.
هل Power Slap رياضة فعلًا؟ هنا يبدأ الخلاف
رغم إعجابي بالتنظيم والأجواء الجماهيرية، فإن ذلك لا يعني أنني خرجت مقتنعًا تمامًا بطبيعة المنافسة نفسها.
بل على العكس، زادت التجربة من تساؤلاتي حول تصنيف Power Slap باعتبارها رياضة.
في معظم الرياضات التي نشاهدها، نجد أنفسنا نتخيل المشاركة فيها، أو نتمنى امتلاك مهارات أبطالها. قد نتمنى أن نكون ملاكمين، أو لاعبي كرة قدم، أو مقاتلين في الفنون القتالية المختلطة.
لكن في Power Slap، وجدت نفسي مستمتعًا بالمشاهدة، دون أن تراودني ولو للحظة رغبة في المشاركة!
وهنا تكمن المفارقة.
فالمنافسة تقوم على تلقي ضربات مباشرة وقوية على الوجه، مع قيود كبيرة على إمكانية الدفاع عن النفس مقارنة بالرياضات القتالية الأخرى.
قد يرى البعض أنها منافسة تتطلب الشجاعة والتحمل والتركيز، وهذا صحيح من ناحية وجود مهارات ومتطلبات خاصة، لكن السؤال الأهم ليس عن شجاعة المشاركين، وإنما عن طبيعة المنافسة وحدود السلامة فيها.
بالنسبة إليّ، إذا أصررنا على تصنيف Power Slap باعتبارها رياضة، فهي واحدة من أغرب الرياضات وأكثرها إثارة للجدل، بل إنني أجد في طبيعتها شيئًا مهينًا لكرامة المتنافس عندما يصبح تلقي الصفعات المباشرة جوهر المنافسة.
وهذا ليس تقليلًا من شجاعة المشاركين، بل نقد لطبيعة النشاط نفسه.
فالإثارة الجماهيرية لا تكفي وحدها لإثبات القيمة الرياضية، كما أن امتلاء المدرجات لا يلغي الحاجة إلى مناقشة المخاطر الصحية، خصوصًا ما يتعلق بإصابات الرأس والارتجاجات وآثار الضربات المتكررة.
ومن هنا تبرز أهمية السؤال الذي طُرح على رئيس المنظمة خلال المؤتمر الصحفي حول القوانين وإمكانية تعديل بعضها.
في رأيي، هذا النوع من الأسئلة أهم بكثير من السؤال عن هوية الفائز المقبل؛ لأن مستقبل Power Slap لا يرتبط فقط بزيادة المشاهدات، بل بمدى قدرة المنظمة على تطوير القوانين وتعزيز سلامة المشاركين.
التعليق العربي بالذكاء الاصطناعي.. تجربة لم تنضج بعد
إذا كان التنظيم الإعلامي قد حصل على تقديري، فإن التعليق العربي باستخدام الذكاء الاصطناعي كان من أبرز الجوانب السلبية التي استوقفتني.
لا أعارض توظيف الذكاء الاصطناعي في الإعلام الرياضي، بل أرى أنه يمكن أن يقدم حلولًا مهمة في الترجمة والإنتاج وتوسيع الوصول إلى الجماهير.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الاستفادة من التقنية وبين الاعتماد عليها بديلًا كاملًا عن المعلق البشري قبل وصولها إلى المستوى المطلوب.
ما استمعت إليه في التعليق العربي كان مخيبًا للآمال، وشهد أخطاء واضحة أضعفت جودة التجربة.
فالتعليق الرياضي ليس مجرد تحويل كلمات من لغة إلى أخرى. إنه فهم للمنافسة، ومعرفة بالمصطلحات، وإحساس بالتوقيت، وقدرة على التفاعل مع اللحظة وصناعة الحماس دون مبالغة.
وهي عناصر لا يمكن تعويضها بمجرد صوت آلي ينطق الجمل باللغة العربية.
والمفارقة أن منظمة نجحت في تقديم تجربة إعلامية وتنظيمية بهذه الاحترافية، قدمت في المقابل تعليقًا عربيًا لم يكن بالمستوى نفسه.
وهنا يجب أن يكون النقد واضحًا: لا ينبغي أن يصبح تقليل التكلفة أو تسريع الإنتاج على حساب جودة المحتوى المقدم للجمهور العربي.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مساعدًا ممتازًا للمعلق والمحرر والمنتج، لكنه في هذه التجربة لم يثبت جاهزيته ليكون بديلًا متكاملًا عن المعلق الرياضي المحترف.
وأتمنى أن تعيد المنظمة تقييم هذه الخطوة، سواء بالعودة إلى التعليق البشري، أو على الأقل بإخضاع التعليق الآلي لمراجعة تحريرية ولغوية وفنية صارمة قبل بثه.
النتائج ليست القصة الأهم

شهدت البطولة مواجهات انتهت بالضربة القاضية وأخرى بقرار الحكام، إضافة إلى حالات استبعاد، بينما انتهى نزال لقب الوزن فوق الثقيل بفوز Da Hawaiian Hitman على Dumpling بقرار إجماعي.
لكنني لا أرى أن سرد النتائج هو أفضل طريقة لوصف ما حدث في أبوظبي.
فالقصة الحقيقية بالنسبة إليّ كانت في التجربة نفسها: كيف استطاعت فعالية بهذه الطبيعة المثيرة للجدل أن تملأ المدرجات، وتخلق كل هذا الحماس، وتقدم تنظيمًا احترافيًا يجعل الصحفي قادرًا على أداء عمله بسهولة؟
وفي الوقت نفسه، كيف يمكن لهذا النجاح التجاري والجماهيري أن يتعايش مع أسئلة جدية حول سلامة المتنافسين، وطبيعة الرياضة، وجودة المحتوى الإعلامي الموجه للجمهور العربي؟
هذه هي الأسئلة التي أعتقد أنها تستحق النقاش أكثر من مجرد الحديث عن أقوى صفعة أو أسرع ضربة قاضية.
أبوظبي.. نجاح تنظيمي يستحق الإشادة

في ختام تجربتي الأولى، أستطيع القول إن Power Slap 25 كانت تجربة إعلامية وجماهيرية مميزة، رغم تحفظاتي الواضحة على طبيعة المنافسة وبعض جوانب التغطية.
وأود هنا أن أشيد بالجهود الكبيرة التي بُذلت في أبوظبي لإنجاح الحدث، سواء من ناحية التنظيم أو استقبال الجماهير أو توفير البيئة المناسبة لممثلي وسائل الإعلام.
لقد أصبحت أبوظبي نموذجًا مهمًا في استضافة الفعاليات الرياضية العالمية، ليس فقط من خلال توفير الصالات والمنشآت، وإنما عبر الاهتمام بالتفاصيل التي تجعل تجربة الجمهور والإعلاميين متكاملة.
والجمع بين Power Slap وUFC 333 خلال أسبوع واحد يعكس حجم العمل المبذول لتحويل العاصمة الإماراتية إلى وجهة رئيسية لعشاق الرياضات القتالية.
لكن نجاح التنظيم لا يمنع النقد، والإعجاب بالتجربة لا يعني الموافقة على كل ما يحدث داخل المنافسة.
وهذه هي المسافة التي يجب أن يحافظ عليها الصحفي بين متعة المشاهدة ومسؤولية التقييم.
شخصيًا، استمتعت بالأجواء، وأُعجبت بالاحترافية، وقدّرت التسهيلات الإعلامية، لكنني ما زلت أطرح السؤال نفسه:
هل Power Slap رياضة نريد أن نمارسها، أم عرض ترفيهي نكتفي بمشاهدته؟
بالنسبة إليّ، قد أعود لمشاهدتها مرة أخرى، لكنني بالتأكيد لا أتمنى أن أكون أحد المشاركين فيها.
وكل الشكر والتقدير لأبوظبي على هذا التنظيم الرائع، وللقائمين على البطولة وفريق العلاقات الإعلامية على حسن الاستقبال والتعاون والاحترافية التي جعلت من هذه التجربة الأولى تجربة تستحق أن تُروى.
فنجاح الفعالية يُقاس بما تتركه من انطباع، أما نجاح الصحافة فيُقاس بقدرتها على الإشادة بما يستحق، وانتقاد ما يحتاج إلى تطوير.
