حين يصبح الحكم طرفاً في النزال.. وحين يرحل الأبطال دون وداع يليق بهم!
في فنون القتال المختلطة، اعتدنا أن نشاهد المقاتلين يحسمون نزالاتهم بالضربات القاضية أو الإخضاع أو قرارات الحكام. لكن ماذا يحدث عندما يتدخل الحكم في لحظة حساسة، فيسلب أحد المقاتلين أفضلية بناها بجهده وذكائه؟ وماذا نقول عندما يقرر أحد أبرز المقاتلين العرب تعليق قفازيه، فلا يجد من الاحتفاء ما يتناسب مع سنوات التضحية والإنجاز؟
قد يبدو الموضوعان مختلفين، لكنهما يكشفان عن مشكلة واحدة: هل ننصف المقاتل فعلاً، أم أننا نتذكر قيمته فقط عندما يخدم المشهد الذي نريد تقديمه؟
المصارعة ليست هروباً من القتال.. والوقوف ليس دائماً عدالة!
أعادت أحداث UFC Vegas 123 فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في عالم فنون القتال المختلطة: حدود تدخل الحكم في القتال الأرضي.
في نزال ريناتو مويكانو وتوم نولان، أثار قرار الحكم دان ميراغليوتا بإعادة المقاتلين إلى وضعية الوقوف تساؤلات جدية، بعدما كان مويكانو يسيطر على ظهر خصمه مستخدماً وضعية الـBody Triangle.
وهنا لا بد من طرح السؤال الذي يتجنب البعض الإجابة عنه: منذ متى أصبحت السيطرة على ظهر الخصم وضعية تستوجب العقاب بدلاً من أن تكون مكافأة على التفوق الفني؟
الوصول إلى ظهر المقاتل ليس أمراً يحدث بالمصادفة. إنه نتيجة سلسلة من التحركات، وقراءة دقيقة للخصم، وصراع على التوازن والمواقع. أما تثبيت الـBody Triangle فهو مهارة تتطلب توقيتاً وتحكماً بدنياً، وتمنح المقاتل فرصة للسيطرة والبحث عن الإخضاع.
لكن هذا لا يعني أن مجرد الإمساك بالخصم يكفي للفوز بالجولة.
هناك فرق بين السيطرة التي تُستخدم لتطوير الهجوم، والسيطرة التي تتحول إلى انتظار طويل دون محاولات مؤثرة. وفي معايير التحكيم، تبقى الضربات والمصارعة الفعّالة ذات الأولوية، ولا تتحول السيطرة المجردة تلقائياً إلى تفوق يستحق النقاط.
المشكلة ليست في مطالبة المقاتل بالعمل، بل في الطريقة التي نحدد بها متى توقف العمل فعلاً.
فهل كان مويكانو عاجزاً عن تطوير وضعه؟ هل منح الحكم المقاتل الوقت الكافي للبحث عن الإخضاع؟ وهل كان الجمود واضحاً إلى درجة تبرر إعادة النزال إلى الوقوف؟
هذه الأسئلة هي جوهر النقاش، وليست مجرد محاولة للدفاع عن المصارعين على حساب المقاتلين أصحاب المهارات في القتال وقوفاً.
الحكم ليس مطالباً بصناعة الإثارة!
من أخطر الأفكار التي بدأت تتسلل إلى النقاش حول رياضة MMA أن القتال الأرضي يصبح مملاً بمجرد غياب الضربات المتتالية، وأن تدخل الحكم لإعادة المقاتلين إلى الوقوف يعيد المتعة إلى الجمهور.
لكن الحكم ليس مخرجاً تلفزيونياً، ولا تقع على عاتقه مسؤولية صناعة المشاهد المثيرة.
مسؤوليته الأساسية هي حماية المقاتلين وتطبيق القواعد بعدالة، دون منح أفضلية غير مستحقة لأي طرف.
عندما ينجح مقاتل في إسقاط خصمه، والانتقال إلى ظهره، وتثبيت ساقيه حول جسده، فإنه يكون قد فرض جزءاً مهماً من أسلوبه القتالي. وإذا قرر الحكم إنهاء تلك الوضعية دون مبرر كافٍ، فقد يمنح الطرف الآخر فرصة لم يكن قادراً على انتزاعها بنفسه.
ولا يمكن الجزم بأن قراراً واحداً غيّر نتيجة النزال بالكامل؛ فالمواجهات تتأثر بعشرات اللحظات والقرارات. لكن من المشروع تماماً مساءلة أي تدخل يغيّر الظروف التنافسية، خصوصاً عندما يأتي في وضعية هجومية متقدمة.
لا يجوز أن نطالب المقاتل باحترام جميع فنون القتال، ثم نتعامل مع بعض تلك الفنون وكأنها عبء على العرض التلفزيوني.
إذا أردنا مشاهدة الملاكمة وحدها، فهناك حلبة للملاكمة. أما القفص، فقد صُمم ليجمع الضرب والمصارعة والجوجيتسو وكل ما يجعل فنون القتال المختلطة رياضة مختلفة.
والعدالة تقتضي أن يحصل كل أسلوب على فرصته ضمن القواعد، لا وفق مستوى حماس الجمهور في المدرجات.
محمد فخر الدين.. بطل أكبر من لحظة الوداع
بعيداً عن الجدل التحكيمي، حملت الساحة العربية لحظة تستحق وقفة مختلفة مع إعلان المقاتل اللبناني محمد فخر الدين اعتزاله.
نحن لا نتحدث عن مقاتل عابر، ولا عن اسم اشتهر بمقطع قصير على مواقع التواصل الاجتماعي. نتحدث عن أحد أبرز الوجوه التي ساهمت في وضع فنون القتال المختلطة العربية على الخريطة الدولية.
فخر الدين لم يبنِ اسمه بالكلام وحده. خاض مواجهات صعبة، وحقق بطولات، وترك بصمته في منظمة BRAVE CF، ووصل إلى إنجاز الجمع بين لقبي الوزن المتوسط وخفيف الثقيل.
هذه إنجازات لا يمكن اختصارها في منشور وداعي أو مجموعة صور قديمة.
لقد حمل فخر الدين اسم لبنان في محافل دولية، وقدم لجيل من المقاتلين العرب نموذجاً يؤكد أن الوصول إلى البطولات العالمية ليس حلماً بعيد المنال.
قد يختلف الجمهور حول شخصيته، أو تصريحاته، أو بعض محطات مسيرته. وهذا أمر طبيعي في الرياضة. لكن الاختلاف مع البطل لا يلغي ما حققه، والنقد الرياضي لا يعني إنكار التاريخ.
المقاتل لا يحتاج إلى أن يكون محبوباً من الجميع حتى يستحق الاحترام.
أين الإعلام اللبناني؟ وأين المؤسسات الرياضية؟
السؤال الذي يفرض نفسه بعد اعتزال فخر الدين ليس فقط: ماذا حقق هذا المقاتل؟
بل: ماذا فعلنا نحن لتوثيق ما حققه؟
هل حصل على احتفاء إعلامي يليق بمسيرته؟ هل استُثمرت لحظة اعتزاله في تسليط الضوء على تطور رياضة MMA في لبنان؟ هل سمع الجيل الجديد قصته كاملة، بما فيها الانتصارات والإخفاقات والتضحيات؟
لا يكفي أن نرفع صور الأبطال عندما ينتصرون، ثم نتركهم يغادرون المشهد بهدوء عندما تنتهي رحلتهم.
وليس المطلوب إقامة احتفال ضخم لكل مقاتل يعتزل، بل بناء ثقافة رياضية تعترف بالإنجاز وتحفظه في الذاكرة.
كان يمكن أن تتحول لحظة اعتزال فخر الدين إلى مناسبة أوسع للحديث عن تاريخ الرياضة في لبنان، وعن التحديات التي واجهها المقاتلون العرب في البحث عن الرعاية والتدريب والفرص الدولية.
وكان يمكن أن تكون فرصة لتكريم مسيرته، وإجراء مقابلات توثيقية، وإشراك المقاتلين الشباب في الاستفادة من خبرته.
فالأسطورة لا تُصنع فقط بعدد الأحزمة، بل بالأثر الذي تتركه في الأجيال التالية.
وهنا تتحمل المؤسسات الرياضية والإعلام المتخصص والمنظمات القتالية مسؤولية مشتركة. لا يمكن أن نطالب المقاتلين بصناعة التاريخ، ثم نعجز عن كتابة هذا التاريخ وحفظه.
نحن بارعون في الاحتفاء بالانتصار.. لكن ماذا عن الإنسان؟
ثمة مشكلة أعمق في تعاملنا مع الرياضيين العرب، خصوصاً في الألعاب الفردية والقتالية.
نريد من المقاتل أن يفوز، وأن يرفع العلم، وأن يمثل وطنه، وأن يتحمل ضغط الجمهور والإعلام. لكننا لا نمنحه دائماً الاهتمام نفسه عندما يتعرض للإصابة أو يخسر أو يقرر الاعتزال.
نحتفي بالصورة التي يرفع فيها الحزام، لكننا نادراً ما نسأل عن السنوات التي قضاها بعيداً عن أسرته، أو الإصابات التي تحملها، أو التكاليف التي دفعها ليصل إلى تلك اللحظة.
ثم نتساءل لماذا لا يمتلك العالم العربي منظومة رياضية قادرة على صناعة أبطال جدد باستمرار!
لأن صناعة الأبطال لا تبدأ فقط من الصالات الرياضية، بل تبدأ أيضاً من احترام مسيرتهم، وتوثيق إنجازاتهم، والاستفادة من خبراتهم بعد انتهاء المنافسة.
فخر الدين يستحق أن تكون قصته مادة تُروى للأجيال المقبلة، لا مجرد خبر اعتزال يختفي بعد أيام من صفحات التواصل الاجتماعي.
العدالة داخل القفص.. والوفاء خارجه
قد يسأل البعض: ما العلاقة بين قرار حكم في نزال UFC واعتزال محمد فخر الدين؟
العلاقة أن المقاتل في الحالتين يحتاج إلى الإنصاف.
داخل القفص، يريد أن تُحترم مهاراته وأن تُطبق القواعد عليه وعلى خصمه بالمعايير نفسها.
وخارج القفص، يريد أن يُنظر إلى مسيرته كاملة، لا إلى آخر نتيجة حققها أو آخر لحظة ظهر فيها أمام الكاميرات.
إن احترام فنون القتال المختلطة لا يتحقق بمجرد تنظيم النزالات وبيع التذاكر وجذب المشاهدات. بل يتحقق عندما نمنح المقاتل حقه في المنافسة العادلة، ونمنحه بعد انتهاء مسيرته مكانته المستحقة في ذاكرة الرياضة.
لسنا ضد تدخل الحكم عندما يتوقف القتال فعلاً، ولسنا مع احتساب السيطرة العقيمة تفوقاً مطلقاً. لكننا ضد تحويل رغبة الجمهور في الإثارة إلى معيار يتقدم على العدالة.
ولسنا نطالب بصناعة أساطير وهمية من كل مقاتل عربي، لكننا نرفض أن تمر مسيرة مقاتل بحجم محمد فخر الدين دون نقاش جاد حول إرثه ومكانته.
كلمة أخيرة
على الحكام أن يتذكروا أن دورهم حماية عدالة النزال، لا اختيار الأسلوب القتالي الذي يفضله الجمهور.
وعلى الإعلام الرياضي العربي أن يتذكر أن مهمته لا تنتهي بنشر نتائج النزالات، بل تمتد إلى حفظ تاريخ من صنعوا هذه الرياضة.
أما المنظمات والمؤسسات الرياضية، فعليها أن تدرك أن تكريم الأبطال ليس مجاملة، بل استثمار في مستقبل اللعبة.
فالمقاتل الذي يقاتل من أجل الفوز يستحق العدالة داخل القفص، والمقاتل الذي أمضى عمره في صناعة الإنجازات يستحق الوفاء عندما يغادره.
وإذا كنا لا نستطيع ضمان الأمرين، فعلينا على الأقل أن نمتلك الشجاعة لطرح السؤال:
هل نحترم المقاتلين حقاً، أم أننا نحترمهم فقط عندما يمنحوننا لحظة انتصار أو مشهداً مثيراً؟
