عندما تتحول أحلام المقاتلين إلى ضحية سوء التنظيم.. ماذا حدث في بطولة VFC المصرية؟

في عالم الفنون القتالية المختلطة، قد يتقبل المقاتل الهزيمة داخل القفص، لكنه من الصعب أن يتقبل خسارة أشهر من التدريب والتحضير بسبب أخطاء كان بالإمكان تجنبها خارج القفص.

وهذا بالضبط ما يدفعنا للوقوف عند ما حدث في بطولة Veteran Fighting Championship (VFC) بمدينة الإسكندرية المصرية، بعدما انتهى الحدث دون إقامة جميع النزالات المقررة، وسط حالة من الجدل والانتقادات التي طالت التنظيم وإدارة البطولة.

القضية هنا ليست مجرد بطولة تعثرت، ولا منظماً واجه ظروفاً صعبة. القضية أكبر من ذلك بكثير: هل يكفي الشغف لتنظيم بطولة MMA؟ ومن يتحمل الثمن عندما تتحول الطموحات الكبيرة إلى أخطاء يدفع ثمنها المقاتلون؟

أولاً: النوايا الطيبة لا تصنع بطولة ناجحة

خلال الحلقة 65 من برنامج «صولات وجولات»، استضفنا لطفي، المعروف باسم «فوكس»، مؤسس منظمة VFC، وأتحنا له المجال لشرح ما حدث والرد على الانتقادات.

واللافت أن الرجل لم ينكر وجود أخطاء تنظيمية، بل اعترف بأن الإعلان عن البطولة سبق استكمال بعض الترتيبات الأساسية، وأنه واجه صعوبات في تأمين المكان المناسب، وتأخيرات في تجهيز القفص، ومشكلات مع الجهات التي كان يعتمد عليها لتنفيذ بعض المهام.

كما أوضح أن اختيار ملعب كرة قدم خماسي لإقامة الحدث جاء بعد تعذر الحصول على موقع آخر، وأن وجود الملعب وسط منطقة سكنية أدى إلى ضرورة إيقاف الفعاليات عند منتصف الليل، قبل استكمال جميع النزالات.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله:

كيف يمكن الإعلان عن بطولة قتالية، واستدعاء المقاتلين والمدربين، قبل التأكد من جاهزية المكان والقفص والجدول الزمني وجميع المتطلبات التنظيمية؟

في رأيي، هذه ليست مجرد تفاصيل إدارية صغيرة، بل أساسيات لا يجوز المجازفة بها.

المقاتل لا يذهب إلى البطولة في رحلة ترفيهية. هو يخضع لمعسكر تدريبي، ويتحمل تكاليف مالية، ويضبط وزنه، ويضع جسده تحت ضغط بدني ونفسي، ثم يصل إلى موعد النزال وهو ينتظر فرصة قد تغير مسيرته.

وعندما لا يُقام نزاله، فإن الخسارة لا تُقاس فقط بقيمة رسوم الاشتراك أو تذكرة السفر.

الخسارة الحقيقية هي الوقت والجهد والفرصة التي لا يمكن استعادتها.

ثانياً: أخطر من سوء التنظيم.. غياب الإدارة المؤسسية

من أكثر التصريحات التي استوقفتني خلال اللقاء حديث مؤسس المنظمة عن اضطراره إلى متابعة عدد كبير من التفاصيل بنفسه، من تجهيز المكان إلى تنسيق النزالات والإشراف على الجوانب الإعلامية.

قد يبدو هذا دليلاً على الاجتهاد والتضحية، لكنه في الحقيقة يكشف عن مشكلة إدارية خطيرة.

المنظمة اسمها منظمة لأنها تقوم على التنظيم، لا على قدرة شخص واحد على القيام بكل شيء.

لا يمكن لشخص واحد أن يكون المسؤول عن التخطيط والتسويق والتنسيق والتنفيذ والمتابعة، ثم نتفاجأ عندما تنهار بعض التفاصيل تحت الضغط.

تنظيم بطولة للفنون القتالية المختلطة ليس مجرد وضع قفص في منتصف ملعب، وتجهيز كاميرات، واستدعاء مجموعة من المقاتلين.

نحن نتحدث عن رياضة تتطلب اشتراطات سلامة واضحة، وطاقماً طبياً، وحكاماً مؤهلين، ومكاناً مناسباً، وجدولاً واقعياً، وتنسيقاً دقيقاً بين عشرات الأطراف.

وإذا كانت البطولة تضم عدداً كبيراً من النزالات، فمن غير المنطقي التعامل مع الوقت وكأنه مساحة مفتوحة بلا حدود.

الأخطر أن بعض المشكلات التي شرحها الضيف لم تكن مفاجآت حدثت أثناء النزال، بل تحديات ظهرت قبل إقامة الحدث.

وهنا يجب أن نكون واضحين: عندما تعرف أن الاستعدادات غير مكتملة وتقرر الاستمرار، فإنك تتحمل مسؤولية القرار، حتى لو كانت بعض أسباب التعثر خارجة عن سيطرتك.

ثالثاً: الاعتذار شجاعة.. لكنه ليس نهاية المسؤولية

يُحسب لمؤسس VFC أنه ظهر أمام الجمهور، وواجه الأسئلة المباشرة، واعترف بأخطاء في التخطيط والإدارة، وقدم اعتذاره للمقاتلين والمدربين.

كما أكد خلال اللقاء إعادة رسوم الاشتراك للمقاتلين الذين لم يخوضوا نزالاتهم، وتحدث عن معالجة بعض الالتزامات المتعلقة بالمستلزمات التي لم يتسلمها المشاركون.

هذه تصريحات إيجابية، لكنها تظل بحاجة إلى استكمال الصورة من الأطراف المعنية، خصوصاً أن الحلقة شهدت طرح روايات وانتقادات مختلفة حول ما جرى.

ولا يصح تحويل تلك الروايات إلى حقائق نهائية دون أدلة مستقلة.

لكن السؤال الذي يهمني أكثر هو: هل إعادة رسوم الاشتراك تعوض المقاتل عن معسكره وتكاليف انتقاله واستعداده البدني والنفسي؟

بالتأكيد لا تعوضه بالكامل.

وهذا لا يعني مطالبة المنظم بتحمل كل خسارة بصورة تلقائية، بل يعني أن المسؤولية المهنية تتطلب آلية واضحة لمعالجة الأضرار والشكاوى، لا الاكتفاء باعتذار عام.

وفي الوقت نفسه، من الإنصاف ألا نختزل صاحب المبادرة في تجربة واحدة متعثرة، أو نتعامل مع كل اتهام متداول على مواقع التواصل باعتباره حقيقة ثابتة.

نحن ننتقد الأداء، لا نهاجم الأشخاص. ونطالب بالمحاسبة والتطوير، لا بتدمير أي محاولة جادة لبناء رياضة الفنون القتالية المختلطة في مصر.

رابعاً: مصر لا تعاني من نقص المقاتلين.. بل تحتاج إلى منظومة تستثمر فيهم

ما يؤلمني في هذه القضية هو حجم الشغف الذي نراه لدى المقاتلين المصريين.

هناك شباب مستعدون لدفع المال من أجل فرصة للمنافسة، وبناء سجل احترافي، وإثبات قدراتهم أمام المنظمات الإقليمية والدولية.

وهذه طاقة رياضية كبيرة يجب أن تُستثمر بصورة صحيحة.

لكن إذا تحولت البطولات إلى محاولات فردية غير مكتملة، وإذا أصبح الإعلان الإعلامي يسبق التخطيط، فإننا نخاطر بفقدان ثقة المقاتلين والمدربين والجمهور.

المشكلة ليست في تأسيس منظمة جديدة. بالعكس، نحن بحاجة إلى المزيد من الفرص والمنافسات.

لكن السؤال ليس كم منظمة نستطيع تأسيسها، بل كم منظمة تستطيع الاستمرار باحترافية وتحافظ على حقوق المقاتلين.

فبطولة واحدة منظمة بصورة ممتازة، بمواجهات متكافئة وتوثيق واضح للنتائج وإدارة تحترم المشاركين، قد تخدم الرياضة أكثر من عشر بطولات تقام دون استعداد كافٍ.

ولا يمكن بناء سمعة دولية للرياضة المصرية من خلال عدد المنشورات والمشاهدات وحدها. السمعة الحقيقية تُبنى بالالتزام والمصداقية وجودة المنافسات.

الحل: قبل أن نؤسس منظمة جديدة.. لنبنِ نظاماً يحمي المقاتل

بدلاً من الاكتفاء بتبادل الاتهامات بعد كل أزمة، أعتقد أن الوقت حان لاعتماد نموذج عملي لتنظيم البطولات المحلية، سواء في مصر أو بقية الدول العربية.

وأقترح أن يقوم هذا النموذج على خمس خطوات واضحة:

1. عدم الإعلان قبل الجاهزية: لا يُحدد موعد البطولة أو تُعلن النزالات قبل تأكيد المكان والتصاريح اللازمة والميزانية والقفص والخدمات الطبية والأمنية.

2. إدارة مستقلة ومتخصصة: تشكيل فريق واضح المسؤوليات، يضم مديراً للحدث، ومسؤولاً للعمليات، وآخر للتنسيق مع المقاتلين، ومسؤولاً طبياً، وفريقاً إعلامياً، بدلاً من ترك القرارات التنفيذية كلها لشخص واحد.

3. عقود مكتوبة وحقوق واضحة: توثيق الالتزامات مع الموردين والمقاتلين، وتحديد ما يحدث عند التأجيل أو إلغاء النزال، بما يشمل الرسوم والتعويضات المتفق عليها.

4. رقابة فنية وسلامة حقيقية: التأكد من مطابقة القفص والموقع والتجهيزات الطبية لمتطلبات الجهة المختصة، ومراجعة عدد النزالات والوقت المخصص لها قبل اعتماد الجدول.

5. لجنة تنسيق للبطولات المحلية: بالتعاون مع الجهات الرياضية المختصة، يمكن وضع معايير موحدة للتنظيم، وآلية للشكاوى، ومتابعة توثيق نتائج النزالات، وتقديم الدعم الفني للمنظمات الناشئة.

وأضيف إلى ذلك مقترحاً أراه مهماً: لماذا لا تتعاون عدة جهات منظمة في مصر لإقامة بطولة قوية واحدة، بدلاً من تشتيت الموارد والخبرات في بطولات فردية متعددة؟

قد يكون التعاون بين أصحاب الخبرة والمدربين والمستثمرين والإعلاميين بداية لبناء مشروع رياضي قادر على الاستمرار، لا مجرد حدث ينتهي بانتهاء ليلته.

كلمة أخيرة

أتمنى أن تكون تجربة VFC درساً حقيقياً لمؤسسها، ولأي شخص يفكر في دخول مجال تنظيم بطولات الفنون القتالية المختلطة.

نحن لا نريد إغلاق الأبواب أمام المبادرات الجديدة، ولا نريد أن تتحول الأخطاء إلى حملات تشهير. لكننا أيضاً لا نستطيع أن نطلب من المقاتلين دفع ثمن التجارب الإدارية غير المدروسة.

الطموح جميل، والشغف ضروري، والاعتراف بالخطأ خطوة محترمة.

لكن الاحتراف يبدأ عندما نحول الاعتراف بالخطأ إلى نظام يمنع تكراره.

وفي النهاية، أوجه رسالة إلى كل من يريد تأسيس منظمة قتالية في وطننا العربي:

لا تبدأ بسؤال: كم مقاتلاً أستطيع أن أجمع؟ أو كم مشاهدة سأحقق؟

ابدأ بسؤال واحد: هل أستطيع أن أضمن لكل مقاتل تجربة آمنة، عادلة، ومنظمة تليق بتضحياته؟

إذا كانت الإجابة غير مؤكدة، فالأفضل تأجيل البطولة على أن تؤجل أحلام المقاتلين.

فالمقاتل يدخل القفص ليواجه خصمه، لا ليواجه أخطاء المنظمين.

Categories
Podcasts

Leave a Reply

RELATED BY